هل التنمية البشرية هراء حقاً أم أن بعض المتطفلـين هم الذين جعلوها كذلك؟ (ج 1)

كم يؤلمني أننا أصبحنا نعيش في أوساط اجتماعية يختلط فيها الصالح بالطالح، عاد من الصعب معرفة الحقيقة من الزيف وأحيانا يبدو أنهما مُمتزجان معاً، ولكننا نعرف جيداً أن الكتاب لا يُقرأ من عنوانه، فالتسرع في الحكم على شيء ما وإطلاق وابل من الانتقادات دليل على السطحية في الرؤية العامة للأمور، نحن نعيش في مجتمعات حيث نعشق أن نتصيـد النقائص وحتى إن كانت قليلة جداً، فإننا نضعها تحت المجهر لتبدو ضخمة وخطيرة مثل فيروس، فنضرب عرض الحائط كل الجوانب الإيجابية.

وهو تماماً ما حصل مع الكثيرين منا ممن ملوا من هرطقات بعض المتحدثين وخطاباتهم الطنانة باسم التنمية البشرية ويسمون أنفسهم مُدربين، للأسف هؤلاء قلة وبالرغم من أنهم يتزايدون سنوياً هدفهم التربح السريع وخطيئتهم الجهل فهم لا يمثلون التنمية البشرية أبداً، لأن هذا المجال هو علم قائم بحد ذاته وثمرة علوم ومجهودات فكرية لعظماء هدفها الأول والأخير كان مساعدة الإنسان الذي يئن تحت وطأة ضغوطات الحياة والأحلام الضائعة، واعتبار ذلك كله مجرد هراء هو إساءة حقيقية لأولئك العلماء والباحثين، وأكثر من ذلك تضييع لفرصة حقيقية للتعلم والنمو.

للأمانة العلمية فقط… فلنتفق حول هذه المفاهيم أولاً

-810x506

مصطلح التنميـة البشرية له معاني واستعمالات مختلفة وغالبا ما تقع بعض المغالطات لدى العامة من الناس حول هذا الموضوع، ومن أجل توضيح بعض النقاط البسيطة سأتطرق إلى تعريف بعض المفاهيم ذات الصلة؛

تنمية الموارد البشرية؛ ولهذا المفهوم بعد اقتصادي وظهر بعد الحرب العالمية الثانية حيت تخلصت العديد من الأمم من ويلات الاستعمار الأجنبي فكان التحدي الأكبر إلى جانب تكوين كيان سياسي مستقل هو إيجاد استراتيجيات تنموية من أجل تدريب وتوفير الطاقات والموارد البشرية من اليد العاملة ذات الخبرة للنهوض اقتصادياً والرفع من مستوى الإنتاج.

التطوير الذاتي؛ يقول المفكر والمحلل النفسي الألماني كارل يونغ « حتى تجعل ما هو لا واعي يصبح واعـياً، فسيظل يوجّــه حياتك وستُسميه مصير »، وهذا هو قلب هذا المفهوم أي السعي الواعي وبإرادة قوية لتنمية المهارات الشخصية من خلال توسيع نطاق المعرفة بالقدرات الحقيقية للذات.

وانطلاقاً من هاذين المفهومين، سوف نرى أن مصطلح التنمية البشرية بحد ذاته مُتطور وشامل لما هو اقتصادي سياسي فمن جهة نجد بأن مؤشر التنمية البشرية للدول (I D H) يقاس منذ 1990 من طرف برنامج الأمم المتحدة بالاعتماد على ثلاث مُعطيات وهي؛ متوسط أمد الحياة، نسبة التمدرس لدى البالغين ومستوى الدخل الفردي.

أما من ناحية أخرى فالمفهوم ذاته تطور وخرج عن رؤيته التقليدية ليركز أكثر على الأفراد لا الأنظمة الاقتصادية فقط، كمرحلة أخرى في قطار تطور الأمم بشكل عام، وقد استفاد هذا المجال أكثر من غيره من مساهمات فكرية وعلمية متنوعة كالفلسفة، الفيزياء وعلم النفس وخاصة الشق الإيجابي منه الذي هو عكس علم النفس التقليدي الذي ركز على دراسة الأمراض والاعتلالات العقلية، فهو يبحث في العوامل التي تجعل من أشخاص عاديين يحققون ذواتهم ويستمتعون بحياة أكثر سعادة. العلماء، عمالقة التحليل النفسي والمفكرين كفرويد نفسه، ابراهام ماسلو، يونغ وإريك فروم وغيرهم الذين أغنوا هذا العلم ببحوثهم ومؤلفاتهم عن الشخصية، الصحة النفسية والتحفيز الذاتي وضعوا الأسس والمبادئ التي يعتمدها أغلب مدربي التنمية البشرية حول العالم اليوم.

التخصصات والتدريبات في التنمية البشرية يمكن أن تشكل الحجر الأساس لمهن في مجالات التمريض، الصحة العامة والاستشارات، ويعتمد رواد الأعمال وكبرى الشركات على تقديم فرصة الاستفادة من دورات التنمية الذاتية لموظفيهم من أجل خلق بيئة عمل سليمة وتحفيز ملكة الإبداع والقيادية.

أشخاص لن تنفع معهم التنمية البشرية في شيء!

H-development-main-arageek-700x400

التنمية البشرية ليست من أجل الجميع على الأقل في مرحلة معينة من حياتهم وليس جميع الناس مهتمون بإنشاء مشروعهم الخاص، القيادة أو تعلم أي شيء على الإطلاق، الاستعداد النفسي والعاطفي لفكرة التغيير من الداخل إضافة إلى القدرة الذهنية على تقبل وتبني ما هو جديد مخالف لسنوات وأجيال من الوعي الجمعي الموحد هي كفاءات ضرورية حتى نستطيع أن نستفيد من احتمالات لا نهائية من وسائل التطور الذاتي.

الأشخاص في حالة اكتئاب حاد لن تنفعهم لا دورة ولا كتب أو استشارات لتطوير قدراتهم، بكل بساطة لأنهم يحتاجون لتدخل سريع من طرف طبيب نفس وعقاقير خاصة لمساعدتهم على الخروج أولاً من فقاعة العذاب والتآكل الداخلي الذي يعيشونه، جرعات التنمية الذاتية سوف تكون إما مهدئ مؤقت أو كمن يصب الزيت في النار!

أشخاص بأعراض اضطراب ثنائي القطب أو أي خلل نفسي أو عقلي آخر من شأنه أن يُعيق التقييم المنطقي السليم للأمور.

الأفراد المُتعصبون لفكر معين ولا يقبلون التغيير لأنهم لا يرون ضرورة لذلك.

الأشخاص الماديين وسطحيو التفكير والميول يبحثون عن الجوانب الملموسة في كل أمر فاكتشاف ذواتهم أو تحرير المارد بداخلهم كما يقال لن يقنعهم، لأن النتائج السحرية السريعة هي ما يبحثون عنه.

شارك المنشور