لمحات من تاريخ الفكر الإسلامي(1)

من يلق نظرة استقرائية علي تاريخ الفكر الاسلامي، نشأته و نموّه وتطوره، ثم يحلل بنية هذا الفكر و يردّه إلي عناصر الأولية و مصادره الأساسية في كل جانب من جوانبه، كالفلسفة و علم الكلام، و الاقتصاد و السياسة و الاجتماع و تفسير التاريخ و علم الأخلاق و النفس و علم أصول الفقه، و التفسير و الدراسات الفقهيه و غير ذلك من العلوم و المعارف التي تناولها المفكرون و العلماء و الباحثون الاسلاميون، منذ نشأة الفكر الاسلامي و حتي يومنا الحاضر، يستطع أن يشخص من خلال ذلك حركة الخط البياني التصاعدي في مسيرة نمو الفكر الاسلامي و تطوره و نضجه.
ففي بداية الحياة الاسلامية التي بدأت بهبوط الوحي علي الرسول الكريم محمد(ص‏) و انطلاق الدعوة الاسلامية في محيط من الجهل و التخلف و الأمية، لم يكن لدي المسلمين من معارف و علوم و فكر غير ما حوي كتاب اللّه تعالي و سنة نبيه الكريم و هما كما هو واضح يشكلان المعين الفكري الذي لا ينضب و الأساس و القاعدة اللذين منهما تم استنباط الفكر و المعرفة الاسلاميين نتيجة حركة التفكير و الاجتهاد و الابتكار و شيّد عليهما صرح البناء الفكري و الحضاري للمسلمين و للبشرية أجمع و التي أصبحت مدينة في تطورها العلمي و المدني للاسلام و رسالته و نستطيع القول أن أول فاتحة للفكر الاسلامي تمثلت بعلم التفسير فقد كان المسلمون علي عهد رسول اللّه(ص‏)‏ يلجأون إليه(ص‏)‏ لفهم القرآن الكريم و معرفة دلالات الآيات و هذا العطاء النبوي هو جزء من السنة و أساس من أسس الفكر.
و بما أن حركة الفكر و المجتمع بدأت تنمو بوحي من حركة الرسالة نفسها، و كانت بداية هذه الحركة في إطار القرآن التي تمثلت في محاولة فهمه و استخراج معانيه و تفسير دلالاته، لذا فقد نشأت بدايات علم التفسير و التأويل و الاختلاف في الفهم و استنباط المعاني و مقصود القرآن و أسباب نزوله.
فكان المسلمون بعد رسول اللّه(ص‏)‏ يلجأون في فهما القرآن إلي أبرز صحابة رسول اللّه(ص‏)‏ علما و معرفة بالقرآن، و كان في طليعتهم الامام علي بن أبي طالب(ع‏)‏ الذي وعي القرآن واستوعب معانيه، إماما للمفسرين و دليلا للعارفين الذي وصفه رسول اللّه(ص‏)‏ بقوله:
(أنا مدينة العلم و علي بابها، فمن أراد المدينة فليأت من الباب‏)‏[1]
ثم كان في تلك الفترة أيضا عبداللّه بن عباس، و عبد اللّه بن مسعود، و أبي بن كعب و عبداللّه بن عمر و آخرون أمثالهم من جيل الصحابة،  كل قد ساهم في التفسير بما تيسّر له من فهم و استيعاب للقرآن و مضامينه، و إلي جانب هذه الباكورة و الانطلاقة الفكرية كانت حياة المجتمع تتطور، و حاجته السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و المالية التي تتعلق بشؤون الحكم والمال و التجارة وا لصرف و القضاء و المواريث و الزواج و الطلاق….الخ كما كانت تحدث قضايا تتعلق بشؤون العبادة، كالطهارة و النجاسات و الحضر والسفر و الشك في الصلاة و غيرها، و كان المسلمون في هذه الحالات يحتاجون الي الأحكام و الفتاوي فبدأ التوسع في الفقه و بدأت بواكير الاستنباط عند بعض الصحابة.

يتبع..

شارك المنشور